ابن عجيبة

529

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ في دقائق الأمور وجليلها ، في كل لحظة لا يستغنى أحد عنه طرفة عين ، ولا أقل من ذلك ؛ إذ لا قيام للعبد إلا به ، فهو مفتقر إلى اللّه ، إيجادا وإمدادا . قال البيضاوي : وتعريف الفقراء ؛ للمبالغة في فقرهم ، كأنهم لشدة افتقارهم ، وكثرة احتياجهم ، هم الفقراء دون غيرهم ، وأن افتقار سائر الخلق بالإضافة إلى فقرهم غير معتد به ، ولذلك قال : وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً « 1 » قلت : ويمكن أن يكون الحصر باعتبار الحق تعالى ، أي : أنتم فقراء دون خالقكم ، بدليل وصله بقوله : وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ . وقال ذون النون رضي اللّه عنه : الخلق محتاجون إليه في كل نفس ، وطرفة ، ولحظة ، وكيف لا ، ووجودهم به ، وبقاؤهم به ؟ ، وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ عن الأشياء كلها ، الْحَمِيدُ أي : المجمود بكل لسان . ولم يسمّهم بالفقر للتحقير ، بل للتعظيم ؛ لأن العبد إذا أظهر فقره لسيده الغنى ؛ أغناه عن أشكاله وأمثاله . وذكر « الحميد » ليدل به على أنه الغنى النافع بغناه خلقه ، والجواد المنعم عليهم ؛ إذ ليس كلّ غنىّ نافعا بغناه ، إلا إذا كان الغنىّ جوادا منعما ، وإذا جاد وأنعم ، حمده المنعم عليهم . ولمّا ذكر افتقارهم إلى نعمة الإيجاد ، ذكر افتقارهم إلى نعمة الإمداد ، بقوله : إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أي : إن يشأ يفنيكم كلكم ، ويردكم إلى العدم ؛ فإنّ غناه بذاته ، لا بكم ، وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ يكون أطوع منكم ، أو بعالم آخر غير ما تعرفون . وَما ذلِكَ أي : الإفناء والإنشاء عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ؛ بممتنع . وعن ابن عباس : يخلق بعدكم من يعبده ، لا يشرك به شيئا . قال القشيري : فقر الخلقة عام لكلّ أحد ، في أول حال وجوده ؛ ليبديه وينشيه ، وفي ثاني حال بقائه ؛ ليديمه ويبقيه . ه . قلت : وإليه أشار في الحكم بقوله : « نعمتان ما خلا موجود عنهما ، ولا بد لكل موجود منهما : نعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد ، أنعم أولا بالإيجاد ، وثانيا بتوالي الإمداد » . الإشارة : الفقر على أربعة أقسام : فقر من الدين ، وفقر من اليقين ، وفقر من المال ، وفقر مما سوى اللّه . فالأولان مذمومان ، وصاحبهما موسوم بالإفلاس والهلع ، ومنهما وقع التعوذ في الحديث . والثالث : إن صحبه الرضا فممدوح ، وفيه وردت الأحاديث النبوية ، وإلّا فمذموم ، ويشمله التعوذ في الحديث . الرابع : هو مطلب القاصدين والعارفين ، وهو الغيبة عما سوى اللّه ، والغنى باللّه ، كما قال الشيخ أبو الحسن : « أسألك الفقر عما سواك ، والغنى بك ، حتى لا نشهد إلا إياك » وهو ينشأ عن التحقق بالفقر ظاهرا وباطنا ؛ لأن الفقر من وصف العبد ، والغنى

--> ( 1 ) الآية 28 من سورة النساء .